ولأنه غير قادر على نسيان جنة عدن, فردوسه الأول, وغير قادر على تحمل شقائه في الأرض فهو في حاجة شديدة إلى خلق فردوس بديل له يعوضه عن ما فقده, وحتى لا يفقد هذا الفردوس وتتكرر مأساته ينبغي أن لا تشاركه حواء نعيمه وعليها أن تعمل جاهدة لتحقيق فردوس "آدم" وتكفر بذلك عن خطيئتها السابقة في حقه.
في هذا الفردوس يحق لمالكه "آدم" أن يستمتع بجميع الثمار حتى وإن كانت ثمار شجرة محرمة فكل شيء في فردوسه مباح له ومحرم على حواء. ولآدم أن يحكم ويضع القوانين التي تحفظ له أمنه وإستقراره ولحواء أن تحتكم لأمره وأن تلتزم وحدها بالأعراف والدين والتقاليد.
لكن ماذا لو نسيت حواء كعادتها تلك القوانين والزواجر؟ ماذا لو ارتكبت حماقة أفقدت آدم فردوسه ثانية؟ مالذي سيحل به حين يفقد إستقراره وحياته الهانئة؟
مؤكد أنه سيفقد صوابه ولن يغفر لها هذه المرة زلتها , والتي بسببها سينافس عزرائيل في أداء مهمته وقبل أن يُتمّ ذلك يكون قد أشبع روحها بأشنع الألقاب.
"ساقطة...فاسقة...عاهرة..."
وهو شريك لها في عهرها..فسوقها..وسقوطها...لكنه ينكر ذلك ويجعل الخطيئة من نصيبها هي مثلما فعل سابقاً. والمثير للدهشة أنه يجد تأييداً كبيراً على ذلك من النساء أكثر من الرجال!! صحيح أن ما أرتكب هو جريمة أخلاقية غير مقبولة ومحرمة في جميع الأديان السماوية لكننا بشر وجميعنا معرضون للخطأ وبالتالي لا يحق لأي شخص رجل أو امرأة أن ينعت غيره بأشنع الألقاب لأنه قد يقع في ذلك الخطأ.
وأنا لا أمارس هنا دور الواعظ ولا أنوي إعادة ما قيل حول هذه القضية أي أنني لن أناقش أسباب ذلك ونتائجه من زاوية دينية إجتماعية لكنني سأعيد طرح القضية من زاوية أخرى لم يُلتفت إليها ولأكون دقيقة أكثر سأناقش البعد النفسي للزنا على الضحايا بعد قضاء العقوبة الشرعية وكيف يؤثر ذلك سلباً على المجتمع؟
الضحية الأولى:
حتى نكون على دراية تامة بالحالة النفسية للضحية الأولى والمصاعب التي قد تمر بها وإنعكاس ذلك على صحتها النفسية ينبغي علينا أولاً معرفة الحالة النفسية للمرأة الحامل (عن طريق علاقة شرعية) ومن ثم ربط ذلك بما قد تمر به من تحمل خارج إطار الشرع والقانون مع عدم إهمال عامل المجتمع ونظرته لها:
الحالة النفسية للمرأة الحامل:
نظرًا للتغيرات الفسيولوجية التي تمر بها المرأة أثناء فترة الحمل والولادة والإضطرابات في الهرمونات فإن حالتها النفسية تتأثر كثيرًا أثناء هذه الفترة ولا تستقر و تختلف حدتها في الشهور الأولى عن الشهور الأخيرة للحمل وبعد الحمل. كما أن حالتها النفسية تعتمد في الدرجة الأولى على مدى تقبلها لفكرة الحمل والإنجاب. فإذا اعتبرته حدث سار جداً ومهم في حياتها ونظرة له بإيجابية ساعدها ذلك على تخطي مراحل الحمل بكل يسر وسهولة, وإذا لم تتقبل الحمل زادت حدة توترها ونسبة قلقها مما يؤثر سلباً عليها وعلى صحة الجنين وقد تتعرض لإجهاض بسبب سوء حالتها النفسية. وحتى تتخطى هذه المرحلة تحتاج إلى المساندة والدعم العاطفي من جانب الزوج والأهل طوال فترة الحمل وحتى بعده فقد تكون عرضه للإصابة بإكتئاب ما بعد الولادة.
فالحامل عن طريق علاقة شرعية تعاني كثيراً أثناء وبعد فترة الحمل وتسوء حالتها النفسية كثيراً إذا تعرضت لضغوطات أو مرت بمشكلات بسيطة فكيف هو حال من تحمل سفاحاً في مجتمع شرقي لا يرحم, مجتمع يعاقبها على جريمتها مدى الحياة لا للجرم الذي ارتكبته بل على فشلها في ستره!! فإذا لم تجهض وإذا لم تقدم على الإنتحار وأكملت حملها فكيف ستقضي هذه المرحلة وهي منبوذة ومحتقرة من قبل الجميع؟ وكيف ستتعامل مع واقعها؟ هل تتحول إلى راهبة وتنسى الدنيا وما فيها؟ وهل سيحقق لها ذلك شيء من التوازن النفسي خصوصاً أن ذلك لن يحميها من نظرات المجتمع؟ وربما تحدث لها ردة فعل عكسية وتنتقم من المجتمع إما بممارستها للرذيلة أو بطرق أخرى.
أخيراً المجتمع هو مسؤول عن ما يحدث وهو ضحية تعامله السيئ مع المنبوذين إجتماعياً وسيعاني كثيراً من وجود أشخاص غير أسوياء سيكولوجياً وسينتشر العنف والرغبة بالإنتقام من الضحية أو أن تنتقم الضحية من المجتمع و سينتج عن ذلك الكثير من المشكلات الإجتماعية. ومعاقبة المجتمع للضحية بهذه الطريقة لن تساعد على إصلاح سلوكها كما أنها لن تعيد للمجتمع توازنه واستقراره "الفردوس المفقود" وسيظل المجتمع مريض ما لم يغير من نظرته وتهميشه لهم.
_________
هامش:
1. عنوان التدوينة مقتبس من ملحمة جون ميلتون "الفردوس المفقود".ا
2. قصة آدم وحواء هي عبارة عن Biblical Allusion أستخدم كرمز يخدم الفكرة التي يدور حولها النص.
3. التدوينة تتحدث عن المجتمعات العربية بصفة عامة ولا تختص بمجتمع معين أو حادثة ما.